Home مواضيع هامة سمير غانم… حكاية فنان صنع من الضحكة إرثاً لا يموت

سمير غانم… حكاية فنان صنع من الضحكة إرثاً لا يموت

209575
0

بيروت – جان فريسكور

هناك فنانون يمرّون في حياة الجمهور، وهناك فنانون يصبحون جزءاً من ذاكرته. وسمير غانم كان من النوع الثاني؛ فحضوره لم يكن مرتبطاً بفيلم أو مسرحية أو شخصية واحدة، بل امتد لعقود طويلة، حتى أصبح اسمه مرادفاً للكوميديا المصرية الخفيفة والذكية، وبقيت إفيهاته وشخصياته حاضرة رغم رحيله

ولد سمير يوسف غانم في 15 يناير/كانون الثاني 1937 في محافظة أسيوط في مصر، ونشأ في أسرة مصرية بعيدة عن الوسط الفني. التحق في بداياته بكلية الشرطة، لكنه لم يستمر فيها، لينتقل بعدها إلى كلية الزراعة في جامعة الإسكندرية ويحصل على شهادتها. وهناك بدأت ملامح الموهبة الفنية تظهر بوضوح في حياته

شكّلت الإسكندرية نقطة تحول أساسية في حياة سمير غانم، حيث تعرّف إلى عدد من الفنانين، قبل أن يلتقي بجورج سيدهم والضيف أحمد، ويؤسس الثلاثة فرقة “ثلاثي أضواء المسرح” التي أصبحت واحدة من أشهر التجارب الكوميدية في تاريخ الفن المصري

قدّم الثلاثي مجموعة من الاسكتشات الغنائية والكوميدية التي حققت انتشاراً واسعاً، من بينها “طبيخ الملايكة” و”روميو وجوليت”، ثم انتقلوا إلى السينما والمسرح، لتبدأ رحلة غانم مع النجومية

وكانت تجربة الثلاثي مدرسة حقيقية لسمير غانم، إذ أتاحت له اكتشاف أدواته الخاصة في الكوميديا، من سرعة البديهة إلى الأداء الجسدي وطريقة إلقاء الجمل التي أصبحت لاحقاً جزءاً من هويته الفنية

في عام 1970، انتهت تجربة “ثلاثي أضواء المسرح” بصورتها المعروفة بعد وفاة الضيف أحمد. لم تكن تلك النهاية سهلة، لكنها شكلت في الوقت نفسه بداية مرحلة جديدة في مسيرة سمير غانم

واصل غانم العمل مع جورج سيدهم، وقدما معاً مجموعة من الأعمال المسرحية الناجحة، قبل أن يثبت سمير غانم قدرته على الوقوف منفرداً أمام الجمهور. ومن أبرز محطاته المسرحية “المتزوجون”، التي أصبحت واحدة من أشهر المسرحيات الكوميدية في تاريخ المسرح المصري، إلى جانب “أهلاً يا دكتور” وغيرها من الأعمال

لم يكن سمير غانم من الفنانين الذين حصروا أنفسهم في قالب واحد. فقد تنقل بين السينما والمسرح والتلفزيون والفوازير والبرامج، وشارك طوال مسيرته في عدد ضخم من الأعمال الفنية، إذ تسجل قواعد بيانات الأعمال الفنية له أكثر من 300 مشاركة تمثيلية بمختلف الوسائط

ومن أبرز الأفلام التي ارتبط بها اسمه عبر مراحل مختلفة من مسيرته  , لسنا ملائكة , الصديقان , السراب , المجانين الثلاثة , نحن الرجال طيبون , نار الشوق , فرقة المرح و ولد وبنت والشيطان المشاغبون , خلي بالك من زوزو , المذنبون , واحد في المليون , على جنب يا أسطى , ورقة شفرة , تسليم أهالي

وتكشف هذه الأعمال عن قدرة سمير غانم على الانتقال بين الأدوار، فلم يكن مجرد ممثل كوميدي يؤدي النكتة، بل كان قادراً على صناعة شخصية متكاملة حتى في المساحات الصغيرة

إذا كانت السينما والمسرح قد صنعتا نجومية سمير غانم، فإن الفوازير منحته شخصية أصبحت علامة مستقلة في ذاكرة الجمهور العربي

في ثمانينيات القرن الماضي، ظهر سمير غانم في فوازير رمضان بشخصيتي “سمورة” و”فطوطة”، ونجحت الشخصية الصغيرة ذات الملابس المميزة والأسلوب الخاص في أن تتحول إلى ظاهرة تلفزيونية

لم يكن “فطوطة” مجرد شخصية كوميدية؛ بل كان نموذجاً على قدرة سمير غانم على خلق شخصية لها صوتها وحركتها وطريقة كلامها، وهو ما جعلها تعيش في ذاكرة أجيال كاملة

رغم النجاح الكبير الذي حققه في السينما والتلفزيون، ظل المسرح مساحة أساسية في تجربة سمير غانم

ومن أبرز أعماله المسرحية , “المتزوجون”، “أهلاً يا دكتور”، “فخ السعادة الزوجية”، “جحا يحكم المدينة”، “فارس وبني خيبان”، “أنا والنظام وهواك”، “بهلول في إسطنبول”، “أنا ومراتي ومونيكا”، “دو ري مي فاصوليا”، “خلوصي حارس خصوصي”، “ترا لم لم”، “مراتي زعيمة عصابة”، وسيبوني أغني

وكانت خشبة المسرح تمنحه المساحة التي يتقنها تماماً: التفاعل المباشر مع الجمهور، والارتجال، وتغيير الإيقاع، والتقاط ردود الفعل في اللحظة نفسها

لم تكن حياة سمير غانم الفنية منفصلة عن حياته الخاصة، فقد التقى الفنانة دلال عبد العزيز خلال العمل المسرحي، وتحولت العلاقة بينهما إلى قصة حب وزواج

أنجب الزوجان ابنتين أصبحتا لاحقاً من نجمات الفن المصري: دنيا سمير غانم وإيمي سمير غانم

وهكذا لم تكتفِ عائلة سمير غانم بأن تكون عائلة فنية، بل تحولت إلى واحدة من أشهر العائلات الفنية في مصر، مع استمرار ابنتيه في العمل بالتمثيل والغناء والكوميديا

من أبرز ما ميّز سمير غانم أنه لم يسمح للسنوات بأن تحصره في مرحلة فنية واحدة. فمع دخوله مراحل عمرية مختلفة، استمر في الظهور بأدوار متنوعة، وشارك في أعمال تلفزيونية وسينمائية جديدة، من بينها “لهفة”، و”عزمي وأشجان”، و”سوبر ميرو”، و”بدل الحدوتة تلاتة”، إضافة إلى مشاركات أخرى

وكان حضوره في كثير من الأعمال كفيلاً بإضفاء نكهة خاصة عليها، حتى عندما يكون ظهوره محدوداً أو في إطار ضيف الشرف.

حظي سمير غانم خلال حياته بتقدير واسع من الجمهور والوسط الفني، كما كرّمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته التاسعة والثلاثين عام 2017، عندما حصل على جائزة فاتن حمامة التقديرية تقديراً لمسيرته الفنية

وكان هذا التكريم بمثابة اعتراف رسمي بمسيرة فنان تجاوزت أعماله حدود الكوميديا التقليدية، وأصبح أحد أبرز رموز الفن المصري

في 20 مايو/أيار 2021، رحل سمير غانم عن عمر 84 عاماً بعد معاناته من مضاعفات فيروس كورونا، منهياً رحلة فنية امتدت لعقود، لكنه لم ينهِ حضوره في ذاكرة الجمهور

وبعد رحيله، بقيت أعماله تُعرض من جديد، وبقيت شخصياته حاضرة في وجدان المشاهدين، من “فطوطة” إلى “مسعود” في “المتزوجون”، وصولاً إلى أدواره التلفزيونية والسينمائية المتأخرة.

ولعل سر استمرار سمير غانم ليس فقط في كثرة أعماله، وإنما في شيء أكثر بساطة وعمقاً: كان يعرف كيف يجعل الناس تضحك دون أن يشعرهم بأنه يبذل جهداً في ذلك

لقد امتلك موهبة نادرة في تحويل التفاصيل العادية إلى لحظة كوميدية، وتحويل الشخصية البسيطة إلى شخصية لا تُنسى

سمير غانم ليس مجرد اسم في قائمة نجوم الكوميديا المصرية؛ إنه جزء من تاريخها. بدأ مع فرقة صغيرة، ثم أصبح نجماً في المسرح والسينما والتلفزيون، وابتكر شخصيات بقيت حية بعد رحيله.

ترك خلفه مئات الأعمال الفنية، وترك أيضاً مدرسة خاصة في الكوميديا تقوم على التلقائية والذكاء وسرعة البديهة، وهي عناصر يصعب تقليدها حتى اليوم.

وربما لهذا السبب، كلما ظهرت شخصية “فطوطة” على الشاشة، أو عادت مشاهد “المتزوجون” إلى الواجهة، أو انطلقت إحدى إفيهاته الشهيرة، يشعر الجمهور أن سمير غانم لم يغب تماماً… فالفنان الذي جعل أجيالاً تضحك، لا يمكن أن يموت في ذاكرة من أحبوه

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here