Home شارع الأخبار زيتون يتحدى تموز

زيتون يتحدى تموز

586
0

كتل رمادية لأخشاب محروقة، مصدرها كرم الزيتون لصاحبه غالب بدران، إبن بلدة “ميس الجبل” الجنوبية، تشكلت مجسمات فنية تحمل لون الحريق ورائحة عدوان تموز. بدأت القصة بعد صمود دام 33 يوما من بداية الحرب، ليخرج بعدها وعائلته من منزله متفقدا حقله في “سهم عربة” عند الأطراف الشرقية للبلدة الحدودية.
المشهد كان كالصاعقة بعد رؤيته ما حل بالمكان من دمار، فمعالم الحقل اختفت بعدما عاثت الجرافات الإسرائيلية فيه جرفا واقتلاعا، محولة أشجار الزيتون المعمرة إلى أشلاء أشجار، ورمز السلام والمحبة والعطاء إلى كتل من رماد.
الأمر لم يرق بدران، فراح يفكر في الرد وبطريقته على بقايا شجرة السلام، وغصنها المقطوع، وجذعها المقلوع بآلة الحرب الإسرائيلية، حاملا إزميلا، ومطرقة صغيرة ومنشارا ليبدأ مشوارا تحت عنوان “كيف نبتدع من الشيء المحروق والمدمر شيئا مميزا؟ “.
إلى تحف فنية، حول بقايا جذوع الزيتون، تحف تجسد دبابة الميركافا، وإلى جانبها المدفع والرشاش الإسرائيلي، وراجمات الصواريخ، تحيط بها المقاتلات الحربية وطائرات التجسس، وكأنها تقوم بحمايتها، إنما الواقع هو عكس ذلك لأن آلات الحرب أصبحت تحت سيطرة بدران، الذي يقوم بعرضها في ساحة الدار أمام منزله بأشكال هندسية مثيرة للدهشة. واللافت في المعرض أنه على الرغم من أجواء الحرب عبر سرب من مقاتلات الـ أف 16، تهيمن أجواء السلام، تحملها الحمامات وعصافير الحب، مما يتطلب وجود كاميرا أيضا تؤرخ اللحظة وترصد الذكرى، وتسجل الحقيقة، حقيقة أن إسرائيل لن تستطيع أن تدمر وتحرق إرادة اللبنانيين في الحياة.
“بالكلمة والعلم قاومنا وبالفن نقاوم أيضاً” يقول بدران مشددا على أن ما فعله، له تأثير أكثر من الرصاصات الإسرائيلية عبر تصميمه على استعادة غصن الزيتون لدوره ورمزه ليحتفظ للطبيعة بجمالها. ويباهي بدران بمنحوتاته، التي تعدت الـ600 قطعة، يعاملها بلطف ودراية كونها أصبحت جزءا منه، مستحوذة ساعات يومه على مدى سنوات، لتجد أن الجهد والإنسجام الروحي يتجلى بالإتقان الوجودي لها.
ولم يغب التراث الجنوبي عن بال بدران، حيث المكواة والمذراة وبابور الكاز والسراج وغيرها من الأدوات، التي تعيد بالذاكرة إلى الحياة البسيطة لتلك الحقبة من التراث اللبناني. ويشير الفنان الجنوبي إلى منحوتاته باعتزاز “هذه التحف على بساطتها، تمثل عربون قوة ووفاء في التحدي لهذا الاحتلال واعتداءاته “، معتبرا أن العدو أراد أن يجعل من هذه الأغصان المتناثرة والجذوع المقتلعة حطبا للمواقد، وطعاما للنيران ليمحو آثار جرائمه وهمجيته، أما هو فأراد إعادة الحياة إليها عن طريق النحت، هادفا إلى تخليد هذه الزيتونة الرمز تجسيدا لحكاية الإنسان الجنوبي وأرضه التي تعادل الروح بالنسبة إليه.
معرض بدران ليس معرضا للأزهار أو للكتب، أو لرسوم الفنانين التشكيليين بقدر ما هو من نتاج معاناة الجنوب وأهله في رحلة كفاحهم ضد آلة لا يمكنها محاكاة الانسان ومشاعره

مازن المجوز

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here