Home شارع المرأة التربية الحديثة… حين يتحوّل الحب إلى عجز

التربية الحديثة… حين يتحوّل الحب إلى عجز

25
0

ريم نورالدين الشعار

ربما حان الوقت لأن نتوقف قليلاً عن التعامل مع «التربية الحديثة» وكأنها وصفة مقدّسة لا يجوز نقدها

نعم، جاءت هذه التربية لتصحح أخطاء كثيرة ارتكبها الأهل في الماضي. رفضت الضرب والإهانة والتخويف، وشجعت على الاستماع إلى الطفل واحترام مشاعره وبناء علاقة أكثر أماناً معه. وهذه كلها أمور مهمة

لكن المشكلة ليست في المبادئ بحد ذاتها، بل في المبالغة في تطبيقها.

ففي مكان ما، انقلب احترام مشاعر الطفل إلى خوف منها. وانقلب الاحتواء إلى حماية زائدة، والحرص على نفسيته إلى شعور دائم بالذنب لدى الأهل.

صرنا نخاف أن نقول «لا» حتى لا نؤذي مشاعره.
نخاف أن نعاقبه حتى لا نترك «أثراً نفسياً».
نخاف أن نطلب منه التحمل حتى لا نكون قساة.
نخاف أن نتركه يواجه مشكلة وحده حتى لا يشعر بأنه غير مدعوم.

وفي المقابل، ماذا نعلّمه؟

نعلّمه أحياناً أن العالم يجب أن يراعيه كما نراعيه نحن.

لكن العالم لن يفعل.

لن يكون الجميع لطيفاً معه.
لن يوافقه الجميع.
لن يفوز في كل مرة.
لن يحصل دائماً على ما يريد.
سيخسر أصدقاء، وسيفشل في امتحانات، وسيُرفض في مواقف، وسيتعرض للانتقاد، وربما يظلمه أحد أحياناً.

هذه ليست دعوة لتعريض الأطفال للقسوة.

بل دعوة إلى تعليمهم القدرة على تحمّل الحياة.

لأن الطفل الذي نزيل من طريقه كل حجر، قد يكبر وهو لا يعرف كيف يمشي عندما يصبح الطريق وعراً.

نحن نخلط أحياناً بين «عدم إيذاء الطفل» وبين «عدم تعريضه لأي إحباط».

وهناك فرق شاسع بين الاثنين.

ليس كل حزن يحتاج إلى إنقاذ.
وليس كل بكاء يحتاج إلى تلبية الطلب الذي سببه.
وليس كل غضب يحتاج إلى تغيير القرار.
وليس كل خلاف يحتاج إلى تدخل الأهل.
وليس كل فشل يحتاج إلى من يبرر للطفل لماذا لم يكن الفشل خطأه.

أحياناً يحتاج الطفل ببساطة إلى أن يبكي… ثم يهدأ.
أن يخسر… ثم يتعلم.
أن ينتظر… ثم يحصل.
أن يسمع «لا»… ويتقبلها.
أن يخطئ… ويتحمل نتيجة خطئه.

وهنا لا نتحدث عن القسوة.

نتحدث عن المناعة النفسية.

المشكلة الأخرى أن هذه التربية وضعت الأهل أحياناً في قفص الذنب.

الأم التي تصرخ مرة تشعر أنها أم سيئة.
الأب الذي يضع حدوداً يخشى أن يكون قاسياً.
والأهل الذين لا يستطيعون تلبية كل مطالب أطفالهم يشعرون أنهم قصّروا بحقهم.

وكأن التربية الناجحة أصبحت تعني أن يكون الطفل سعيداً طوال الوقت.

لكن الطفل ليس مشروعاً لإنتاج السعادة الدائمة.

نحن نربي إنساناً.

والإنسان سيغضب ويحزن ويخسر وينكسر ويُرفض ويفشل، ثم عليه أن يتعلم كيف ينهض.

نحن لا نريد طفلاً يخاف من والديه، بالتأكيد.

لكننا أيضاً لا نريد طفلاً يكبر وهو يعتقد أن كل «لا» اعتداء عليه، وكل نقد إهانة، وكل خسارة ظلم، وكل مسؤولية عبء لا يستطيع تحمله.

الطفولة ليست فقاعة.

والأهل ليسوا موظفين لدى مشاعر أبنائهم.

الحب لا يعني أن نعطي الطفل كل ما يريد.
والاحتواء لا يعني أن نزيل عنه كل ألم.
والحوار لا يعني أن يكون القرار دائماً لصالحه.

أحياناً تكون التربية الحقيقية أن تقول لطفلك:

«أعرف أنك غاضب… لكن الجواب ما زال لا.»

وأن تقول له:

«أعرف أنك حزين لأنك خسرت… لكن الخسارة جزء من الحياة.»

وأن تقول له:

«أنا أحبك، لكنني لن أسمح لك بإيذاء أخيك.»

وأن تقول له:

«أنا هنا لأساعدك، لكن هذه المشكلة عليك أن تتعلم كيف تحلها.»

ربما لا نحتاج إلى العودة إلى تربية الماضي.

لكننا بالتأكيد نحتاج إلى مراجعة بعض أفكار الحاضر.

فالهدف من التربية ليس أن نُنشئ طفلاً لا يتألم.

الهدف أن نُنشئ إنساناً يستطيع أن يتألم دون أن ينهار، وأن يخسر دون أن يستسلم، وأن يُرفض دون أن يفقد قيمته، وأن يواجه الحياة دون أن ينتظر من العالم أن يعامله كما عامله والداه.

لأننا في النهاية لن نستطيع أن نحمي أبناءنا من الحياة.

لكن يمكننا أن نعلّمهم كيف يعيشونها.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here