لجنة التحكيم للدورة الـ 66 لمهرجان كان في الافتتاح مساء أمس، من اليسار: كريستوفر والتس، فيديا بالان، دانيال أوتوي، كريستيان مونجيو، آنغ لي، نيكول كيدمان، الرئيس ستيفن سبيلبرغ، لي رامسي، اومي كاوازيه

أصحاب السلالم المعدنية صاروا يتوافدون الى امام قصر مهرجان كانّ (15 – 26 أيار) منذ صباح الأحد، مفترشين الرصيف المقابل للعمارة التاريخية التي ارتدت لون القبلة الرمادية بين بول نيومان وجوان وودوارد (ملصق الدورة الـ66). هؤلاء القناصون الموسميون الذين يصعدون تلك السلالم لرؤية افضل للسجادة الحمراء واضوائها، اعتقدوا ربما انهم ضربوا موعداً نادراً مع الطقس الرائع الذي هيمن على الويك أند الماضي، محولاً الكوت دازور برمتها مصيفاً كما في شهر تموز. ربط هؤلاء مقاعدهم المصنوعة من التنك بعضها بالبعض ولفوها بالجنازير، كأنها لاقامة دائمة. ولكن لم تنتظر السماء انطلاق المهرجان وصعود النجوم المنتظرين السجادة الحمراء، ولم ترحم انتظارهم الطويل المضني، فهبت الرياح الحاملة للمطر ساعات قليلة قبل افتتاح الدورة الـ66 لأشهر مهرجان سينمائي في العالم، وثاني حدث مغطى اعلامياً بعد مونديال كرة القدم. وكانّ من دون زرقة بحرها الذي يزداد لمعاناً تحت اشعة الشمس، ليست تماماً كانّ التي تهف اليها قلوبنا.
والنجوم كثر في هذه الدورة. يكفي اعضاء لجنة التحكيم برئاسة ستيفن سبيلبرغ التي تتضمن: كريستوفر والتس، نيكول كيدمان، دانيال اوتوي، كريستيان مونجيو، آنغ لي، لين رامسي، ناومي كاوازيه، فيديا بالان. في المؤتمر الصحافي الخاص باللجنة، اعلن مخرج “لائحة شندلر” أنه سعيد لمشاركته في حدث ثقافي يحتفي بالسينما، وهو يريده بعيداً من روح المنافسة، وفي منطق مخالف للحملات الدعائية التي تسبق توزيع جوائز “الأوسكار” الأميركية في شباط من كل سنة. أمّا والتس، الحائز “أوسكارين” عن ادائه في فيلمين لكوانتن تارانتينو، فقال إن ايّ جائزة هي بمنزلة علاج نفسي جيد، أيّ انها خلاصة عمل ناجح بين طبيب وزبونه.
وجود سبيلبرغ على “الكروازيت” لم يمر بلا ضجيج اعلامي. فهذا الذي خلق الجدل، بين معارض لتوليه منصب رئيس لجنة التحكيم ومؤيد له، نُقل عنه اصراره على الحضور الى كانّ على نفقته الخاصة، بعدما قال للمدير الفني تييري فريمو إنه لا يمكن المهرجان ان يتحمل كل تلك النفقات. فسبيلبرغ جاء الى كانّ مع شلته، وحجز لها فيلا، وفي مقدور هؤلاء الاسترخاء على يخت المخرج “البحار السبعة”، الذي رسا في مكان ما بين كانّ وجزيرة سانت مارغريت.
في ما عدا فيلم العام الماضي، لم تكن الأفلام التي اختارتها ادارة كانّ للافتتاح في السنوات الأخيرة، موفقة. نتذكر كارثة “رمز دافينتشي”، عام 2006، وهروب فريق العمل من كانّ من غير ان يلتقي الصحافيين بعد ارتفاع الأصوات والهيصات المستهجنة ضد الفيلم. بيد ان شريط الافتتاح لهذه السنة، “غاتسبي العظيم” للمخرج الاوسترالي باز لورمان (في الصالات المحلية بدءاً من اليوم)، لم يصل الى هذا الحدّ من الهشاشة، لكنه لامسها في احايين كثيرة، من خلال آلية درامية تدور على فراغ قاتل. صباح أمس، في العرض الصحافي، عندما لفّ السواد الشاشة ووصل الفيلم الى الخاتمة، لم يُبدِ الجمهور ايّ رد فعل، لا سلباً ولا ايجاباً، على خلاف عادته.
فيلم لورمان، وهو مخرج افلام تحرك الحواس على نسق “مولان روج”، تنقصه الروح، روح السنوات المجنونة (عشرينات القرن الماضي)، التي وضع فيها سكوت فيتزجيرالد حوادث الرواية الشهيرة (1925) التي اقتبس منها لورمان عمله هذا. الرواية، ذات النبرة القاتمة والكئيبة، سبق أن كانت مادة لأفلام سينمائية كثيرة، اشهرها تلك التي تولى اخراجها جاك كلايتون عام 1974، مع روبرت ريدفورد. ولكن، من فرط ما دفع بالعوامل البصرية الى ذروتها الابهارية، طاش سهم لورمان ولم تبلغ مجالات اساسية كثيرة، وهي مجالات لم ترقَ، ويا للأسف، الى اولوياته. في طريقه الى رد الاعتبار لحكاية غاتسبي (ليو دي كابريو)، هذا الملياردير الأميركي الذي جسد علامة من علامات الطليعية الأميركية في زمن الممكن، غرق النصّ في سلسلة من الكليشهات المملة عن الحبّ والمصير التراجيدي والصداقة، مع غمزات محببة الى السينما الصامتة. الكلّ مغلف بكمية هائلة من الاستعراض الكيتش، تحول دون تبلور الشخصيات والمسك بأقدارها. يعني لا جديد تحت الشمس!
من أجل ايصال فكرة نهاية حقبة اللامبالاة واندثار البراءة، وهي فكرة حاضرة بقوة في الرواية، يبقى لورمان مخلصاً للأدوات التي تكونت منها سينماه، وفي مقدمها قدرة ــ باتت طبيعية عنده ـــ على تزويد المشهد كل ما يخطف العين، وكذلك اصرار رهيب على اقحام النص في دوائر حلزونية، بلا نهايات معروفة. نظرة لورمان الرومنطيقية ليست متحررة من القيود التقنية ذات الخيوط الواضحة جداً، التي تُغرق الفيلم في تفاصيل تثقل كاهل العمل، وتجعل متابعة الحوادث امراً مرهقاً. الأشياء سريعة الذوبان عند لورمان، الى درجة لا نلاحظ تحولها ومرور الزمن عليها. هذه سينما تحاول بصعوبة كبيرة وبامكانات ضخمة القاء نظرة على الماضي بمفاهيم اليوم، ولكن لا تسعى الى إقامة صلة وجدانية وفنية وسياسية بين الماضي والحاضر. وعلى رغم كل مهاراته في احداث اجتهادات بصرية، يبقى لورمان في هذا الفيلم شديد الكلاسيكية













