Home شارع المرأة المنافق الذي أتقن دور البراءة

المنافق الذي أتقن دور البراءة

29
0


بقلم ريم نورالدين الشعار

أخطر المنافقين ليس من يعرف أنه منافق… بل من أتقن النفاق حتى صدّق أنه بريء.

إنسان يروي عن نفسه قصة جميلة: صادق، طيب، مظلوم، لا يؤذي أحدًا، وكل ما يحدث من حوله سببه الآخرون.

هذا هو المنافق الذي أتقن دور البراءة.

لا يكذب كذبًا مكشوفًا؛ يأخذ نصف الحقيقة، يضيف إليها ما يخدمه، ويحذف ما يفضحه، ثم يقدّم روايته وكأنه مجرد شاهد لا علاقة له بما حدث.

ينقل كلمة بين شخصين، لكن الكلمة لا تصل كما قيلت.

يضيف تفسيرًا، يغيّر نبرة، يسقط تفصيلًا… ثم يترك الطرفين يتعاملان مع حقيقة مشوّهة.

وحين تبدأ المشكلة، يتراجع خطوة.

لا يريد أن يكون صاحبها، بل يريد أن يظهر كمن اكتشفها وحذّر منها.

وإذا واجهته، قد لا يدافع عن نفسه فقط؛ قد يتحول فجأة إلى ضحية. يستغرب، ينكر، يتألم، وربما يجعلك أنت المذنب لأنك شككت في «براءته».

وهنا تكمن خطورته:

هو لا يدافع عن كذبته فقط، بل يدافع عن الصورة التي صنعها عن نفسه.

لكن هناك شيئًا يصعب عليه إخفاؤه مهما أتقن التمثيل:

النمط.

شخص قد يخطئ.
وقد يسيء فهم موقف.
لكن عندما تتكرر الخلافات حول الشخص نفسه، وتتكرر الأدوار نفسها، ويظل هو دائمًا بريئًا والآخرون دائمًا مخطئين، فهنا يجب أن نتوقف وننظر إلى الصورة كاملة.

وعندما يشعر أن الناس بدأوا يكتشفونه، يبدأ بتفكيكهم.

يقرّب هذا من هذا، ويزرع الشك بين ذاك وذاك، ينقل سرًا، يترك كلمة ناقصة، أو يوحي بأن هناك شيئًا يُخفى عن أحدهم.

لا يحتاج إلى إشعال حريق… تكفيه شرارة في المكان المناسب.

والأخطر أن الناس قد يساعدونه دون أن يدركوا.

يصدقون أول رواية، يحكمون قبل أن يتحققوا، وينقلون الكلام بدل أن يسألوا صاحبه؛ فيصبحون جزءًا من لعبة لم يختاروا الدخول إليها.

لذلك، أفضل طريقة للتعامل معه ليست مطاردته ولا الدخول معه في معركة لا تنتهي.

بل سحب الأدوات من يده:

لا أسرار.
لا نقل كلام.
لا أحكام من رواية واحدة.
ولا خلافات تُدار في غياب أصحابها.

إذا قال لك شيئًا عن شخص، اسأل الشخص نفسه.

وإذا نقل كلامًا، أعده إلى صاحبه.

وإذا زرع شكًا، اطلب الحقيقة كاملة.

فالوضوح هو العدو الأول للنفاق.

وقد يكون التجاهل أحيانًا أقوى من المواجهة. ليس ضعفًا، بل لأن بعض الأشخاص يعيشون على ردود أفعال الآخرين. كلما غضبت، وبررت، ودافعت، ومنحتَه مساحة أكبر، ازداد مجال تمثيله.

أما حين تفهم أسلوبه، وتضع حدودك، ولا تسمح له بأن يدير علاقاتك من خلف الستار، تبدأ اللعبة بالانتهاء.

فالمنافق يستطيع أن يخدع شخصًا، وربما عشرة.

لكن من الصعب أن يخدع إلى الأبد مجموعة بدأت تتحدث مع بعضها بوضوح.

وفي النهاية، المشكلة ليست في وجود منافق بين الناس.

المشكلة أن نسمح له بأن يفرّقنا، ويزرع الشك بيننا، ويدفعنا إلى خسارة بعضنا، بينما يقف هو في المنتصف مرتديًا قناع البراءة.

لذلك، لا تبحثوا دائمًا عن المنافق في الشخص الذي يرفع صوته أو يعلن خصومته.

أحيانًا يكون أخطرهم ذلك الذي يجلس بهدوء، يبتسم للجميع، يواسي الجميع، ويقسم أنه لا علاقة له بشيء…

ثم تكتشفون أن معظم الخلافات بدأت من حيث كان يقف.

بعض الأقنعة لا تسقط عندما نواجهها… بل عندما نتوقف عن تصديقها.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here