توفّي هلي الرحباني، الابن الأصغر للسيدة فيروز، بعد حياة طويلة حملت بين تفاصيلها تحديات صحية وإنسانية قاسية، عاشها بعيداً عن الأضواء، في كنف أمّ اختارت أن تكون له الحضن الدائم والملاذ الآمن حتى لحظاته الأخيرة.
وُلد هلي عام 1958 وهو يعاني من إعاقة ذهنية وحركية، في زمنٍ لم تكن فيه التوقعات الطبية متفائلة بإمكانية بقائه على قيد الحياة. إلا أن ما لم تحسبه التقارير آنذاك، كان قوة الأمومة. ففيروز، بصمتها المعروف ووفائها العميق، جعلت من رعايته رسالة شخصية، ومن وجوده أولوية لا تنافسها شهرة ولا مجد، فكبر على إيقاع حبّ لا يُقاس ولا يُعلن.
لم يعرف هلي الشهرة، ولم يكن اسمه جزءاً من المشهد الفني، لكنه ظلّ حاضراً بقوة في السيرة الإنسانية لفيروز، كوجهٍ آخر للأم التي غنّت للحنان والسلام، وعاشت معانيهما يومياً داخل بيتها. وفي السنوات الأخيرة، تسلّلت صور قليلة كشفت جانباً من هذه العلاقة الاستثنائية، مؤكدة أن العزلة لم تكن غياباً، بل خياراً للحماية والكرامة
وفي ذروة هذا الوجع، جاءت الصورة الأخيرة التي نشرتها ريما الرحباني، جامعةً زياد وهلي في لقطة واحدة بدت وكأنها تختصر كل شيء: الأخوّة، والفقد، وذاكرة بيتٍ عاش الحب بصمت. صورة عكست في عمقها فيروز الأم، التي جمعت أبناءها تحت جناحها مهما قست الظروف، وحملت عنهم الألم بصبر لا يُرى
ويأتي هذا الرحيل ليُثقل قلب فيروز بخسارة جديدة، بعد أشهر قليلة على وداعها نجلها الأكبر زياد الرحباني، الفنان والموسيقي المتمرّد، وقبل ذلك بسنوات على فقدان ابنتها ليال في عمرٍ مبكر. اليوم، تبقى ريما إلى جانب والدتها، شاهدة على حكاية أمّ عرفت المجد، لكنها عرفت الفقد بأقسى صوره
رحل هلي بصمت، كما عاش، تاركاً خلفه قصة حبّ أمومي نادر، وجرحاً جديداً في قلب صوتٍ طالما داوى قلوب الآخرين