Home مواضيع هامة عبد المنعم مدبولي… حين تتحوّل الضحكة إلى إرثٍ لا يموت

عبد المنعم مدبولي… حين تتحوّل الضحكة إلى إرثٍ لا يموت

21
0

بيروت – جان فريسكور

هناك فنانون يمرّون على الشاشة، وهناك فنانون يتركون خلفهم شيئاً يشبه الذاكرة الجماعية، نعود إليهم كلما اشتقنا إلى زمنٍ كانت فيه البساطة جزءاً من جمال الفن، وكانت الموهبة قادرة على الوصول إلى القلب من دون ضجيج. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الفنان المصري الراحل عبد المنعم مدبولي، الذي لم يصنع مجده بكثرة الأدوار وحدها، بل بقدرته على تحويل الشخصيات العادية إلى حكايات لا تُنسى

لم يكن عبد المنعم مدبولي ممثلاً يؤدي دوره ثم يغادر المشهد؛ كان يمنح الشخصية روحاً وتفاصيل صغيرة تجعلها مألوفة للمشاهد، كأنها شخص عرفه في حياته أو جلس إلى جانبه في يومٍ عابر. في ملامحه شيء من الإنسان البسيط، وفي أدائه صدقٌ يجعل الضحكة تبدو طبيعية، لا مفتعلة، ويجعل الحزن أكثر قرباً من القلب

سرّ مدبولي… أن يرى الإنسان خلف الشخصية

ما ميّز هذا الفنان لم يكن الكوميديا وحدها، بل فهمه العميق للتناقضات الإنسانية. فقد عرف كيف يجعل المشاهد يضحك من موقفٍ يومي، ثم يدفعه إلى التأمل في ما تخفيه الشخصية من تعبٍ أو خوفٍ أو انكسار. لم تكن الضحكة عنده نقيضاً للحزن، بل كانت أحياناً الطريق الأقصر للوصول إليه

ولعلّ هذا ما جعل حضوره مختلفاً عن كثيرين؛ إذ لم يحتج إلى المبالغة كي يلفت الانتباه، ولم يعتمد على الإفيه وحده ليصنع النجاح. كان يمتلك إيقاعه الخاص، ونظرته المعبّرة، وطريقته في نطق الكلمات، حتى بدا وكأنه يروي حكاية يعرفها الجمهور جيداً، لكنه يكتشف في كل مرة تفصيلاً جديداً فيها.

من خشبة المسرح إلى ذاكرة الأجيال

اختار عبد المنعم مدبولي المسرح مساحةً أساسية للتعبير عن موهبته، ولم يكتفِ بالتمثيل، بل عمل في الإخراج وأسهم في تأسيس فرق مسرحية، من بينها فرقة المسرح الحر. وقد عُرفت طريقته الفنية باسم «المدبوليزم»، في إشارة إلى أسلوبه الخاص الذي جمع بين العفوية والدقة والقدرة على استخراج الكوميديا من تفاصيل الحياة اليومية.

وعلى امتداد مسيرته، تنقّل بين المسرح والسينما والتلفزيون، تاركاً شخصيات مختلفة في طبيعتها، لكنها تلتقي في سمة أساسية: الصدق. ففي فيلم «الحفيد» اقترب من عالم الأسرة وتفاصيله، وفي «مولد يا دنيا» ظهر وجه آخر من موهبته، بينما حمل فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس» مساحة أكثر قسوة، تؤكد أن الفنان الذي أتقن إضحاك الناس كان قادراً أيضاً على تقديم الدراما بعمق وتأثير

أما شخصية «بابا عبده» في مسلسل «أبنائي الأعزاء شكراً»، فقد رسّخت صورة الأب القريب من الناس، الذي يحمل هموم أسرته ويحاول فهم أبنائه رغم اختلاف الأجيال. وهكذا لم تعد بعض شخصياته مجرد أدوار فنية، بل أصبحت جزءاً من ذاكرة البيوت العربية

فنان لم يحصر موهبته في نفسه

من الجوانب التي تستحق التوقف عندها في تجربة مدبولي أنه لم ينظر إلى الفن بوصفه مساحة فردية للنجاح فقط، بل كان المسرح بالنسبة إليه عملاً جماعياً يحتاج إلى اكتشاف المواهب وصقلها ومنحها فرصة الظهور. وقد ارتبط اسمه بمسيرة فنية ساهمت في تقديم أجيال من الفنانين، ما يجعل أثره أوسع من قائمة أعماله وأدواره

فالفنان الذي يترك مدرسةً في الأداء لا ينتهي تأثيره بانتهاء مسيرته؛ إذ تستمر أفكاره وأساليبه في وجدان من شاهدوه، وفي تجارب من تأثروا به، وفي كل عمل يعيد الجمهور اكتشاف قيمته من جديد

لماذا لا يغيب عبد المنعم مدبولي؟

ربما لأن الزمن يغيّر أشكال الكوميديا، لكنه لا يغيّر حاجة الإنسان إلى الصدق. وربما لأن الجمهور، مهما تبدّلت الشاشات وتطورت وسائل الترفيه، يبقى وفياً للفنان الذي يمنحه شعوراً بأنه يرى نفسه في الشخصيات التي يؤديها.

رحل عبد المنعم مدبولي في التاسع من يوليو عام 2006، لكن غيابه لم يُنهِ العلاقة التي بناها مع الجمهور عبر سنوات طويلة من العطاء. ما زالت أعماله تستعيد مكانها في الذاكرة، وما زالت شخصياته قادرة على صناعة الابتسامة وإثارة المشاعر، من دون أن تفقد دفئها أو إنسانيتها.

إن قيمة عبد المنعم مدبولي لا تكمن فقط في أنه كان واحداً من أبرز وجوه الكوميديا المصرية، بل في أنه أثبت أن الضحك يمكن أن يكون فناً راقياً، وأن الشخصية البسيطة قد تحمل عالماً كاملاً، وأن الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى زمنٍ محدد كي تبقى.

عبد المنعم مدبولي لم يترك خلفه مجرد مشاهد مضحكة، بل ترك إحساساً جميلاً بأن الفن يستطيع أن يخفف ثقل الحياة، وأن الفنان الحقيقي لا يُقاس بعدد المرات التي يظهر فيها على الشاشة، بل بعدد المرات التي يعود فيها إلى قلوب الناس

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here