منذ أكثر من عشرين عاماً، لم ينقطع نبض الخير في بلدة شحيم، حيث يواصل المتطوع مازن عرفة مع مجموعة من أصدقائه كتابة قصة إنسانية عنوانها العطاء والتكافل. مبادرات بدأت متواضعة، لكنها كبرت عاماً بعد عام، لتصبح اليوم نموذجاً يُحتذى في العمل الخيري القائم على المحبة وروح الجماعة
هذا النشاط الذي يمتد على مدار السنة، يرتكز على تقديم مساعدات شهرية لعائلات مستورة، إلى جانب كفالة عدد من الأيتام، في محاولة لتخفيف جزء من الأعباء المعيشية. إلا أن شهر رمضان يبقى المحطة الأهم، حيث ترتفع وتيرة العمل وتكبر المسؤولية مع ازدياد عدد العائلات المحتاجة
في السنوات السابقة، اعتاد الفريق على توزيع الحصص الغذائية واللحوم والدجاج، إلى جانب إعداد وجبات أسبوعية تُوزّع يوم الأحد. لكن هذا العام حمل خطوة استثنائية وجريئة، رغم كلفتها العالية، حيث تم الانتقال إلى مشروع يومي متكامل لإعداد الطعام
ففي مبادرة إنسانية لافتة، فتح الأستاذ يحيى شافي أبواب مطبخه، ليصبح مساحة للخير والعمل الجماعي، حيث يتم يومياً إعداد ما بين 45 إلى 60 وجبة، تكفي كل واحدة منها ليومين. ولم تكن هذه الوجبات عادية، بل حملت في تفاصيلها دفء البيت، إذ تضمنت أصنافاً متنوعة من الطعام، إلى جانب الفتوش، والمعجنات، والشوربة، والعصير، والتمر، في صورة أقرب ما تكون إلى مائدة عائلية متكاملة
وراء هذا العمل، تقف أيادٍ متطوعة من أبناء البلدة، رجالاً ونساءً، اجتمعوا بروح واحدة. نساء قدّمن منازلهن وخبرتهن في الطهي، وأخريات حضرن لتقطيع الخضار أو إعداد الأطباق، وشباب تولّوا التوزيع والتنظيم، في مشهد يعكس أسمى معاني التضامن. لم يكن العمل مجرد مهمة، بل كان فعلاً نابعاً من القلب، تُترجم فيه المحبة إلى أفعال.
ورغم التحديات، وخصوصاً محدودية التبرعات في بعض الجوانب، لم تتوقف المبادرة. فقد تمكن الفريق من توزيع عدد كبير من الحصص الغذائية، إضافة إلى حصص اللحوم والدجاج، ليستفيد منها قسم كبير من أصل نحو 280 عائلة كانت ضمن لائحة الدعم لهذا العام. كما استفادت ما بين 45 إلى 60 عائلة يومياً من وجبات الإفطار التي امتدت فائدتها ليومين.
ولا يقتصر العطاء على شهر رمضان، بل يستمر بعده، حيث يواصل الفريق دعمه لحوالي عشر حالات انسانية شهرياً، إلى جانب الاستمرار في كفالة الأيتام، تأكيداً على أن الخير ليس موسماً، بل نهج حياة.
ومع اقتراب عيد الفطر، يستعد الفريق لاستكمال هذه المسيرة من خلال توزيع معمول العيد من داخل المطبخ نفسه، ليبقى الفرح حاضراً في بيوت طالها التعب.
هي قصة ليست فقط عن مساعدات، بل عن كرامة إنسانية تُصان، وعن مجتمع يرفض أن يترك أحداً خلفه. تحية لكل يدٍ أعطت، لكل قلبٍ أحب، ولكل من ساهم، وتحية خاصة لمازن عرفة وأصدقائه، الذين يثبتون عاماً بعد عام أن شحيم، بأهلها، قادرة أن تكون مثالاً حياً للخير الذي لا ينضب.